نادرة القطب "ماما نانا" التي أدارت ذات يوم أكبر مدرسة إعدادية "دوحة الوطن" بمخيم خان الشيخ على سفح جبل الشيخ بسوريا في ستينيات القرن الماضي، ما تزال تتمسك بأن من حق أطفال المناطق الشعبية المحرومين من العديد من الخدمات، أن يحظوا كما يحظى أترابهم من أولي النعمة، بمدرسة انموذجية. والقطب، التي تمزج بين المهمتين التعليمية والاجتماعية للمدرسة، تعتبر ان هاتين الوظيفيتين في صلب الفعل التنويري للمدرسة، خصوصا في مجال الصحة والتربية والتعليم، مستذكرة كيف كانت مدرسة "دوحة الوطن" تفتح ساحاتها خارج أوقات الدوام الرسمي لأهالي المخيم وإقامة النشاطات التثقيفية والرياضية والتوعية، مما أكسب إدارة المدرسة الثقة الشعبية.
هي صاحبة أول حضانة اطفال أردنية،مدرسة أنموذجية في منطقة شعبية، مراهنة على ان للمدرسة دورا تنويريا واجتماعيا يجب أن تنهض به، لاستعادة السيرة الاولى للمدرسة الاردنية. من جبل الحسين، بدأت "ماما نانا"، كما يحلو لأوساطها أن تصفها، مشوارها حين أطلقت "حضانة الأمل" في العام 1970.
فالمدرسة يجب أن تنخرط في حل مشكلات أسر تلاميذها، ما وسعها الأمرر ذلك، ما يستدعي جهودا استثنائية وايمانا بحيوية التعليم والتربية واقتران تاثيرهما في الحياة الاجتماعية.
فقائمة أعضاء مجلس أمناء المدرسة التي تديرها القطب، تضم أفرادا من العائلة الممتدة لطلبة المدرسة وأبنائهم؛ في تجسيد لايمان المدرسة باهمية تحقيق اهدافها التنويرية.
تقول القطب "إن شغفي بتعليم الأطفال، دفعني لإنشاء حضانة وروضة، فور عودتي أنا وزوجي من السعودية في العام 1970، حيث كنّا أنشأنا في مدينة جدة، مدرسة ما تزال قائمة بالاسم ذاته. وتضيف "بدأت العمل في روضة "الأمل" في بناء مستأجر بمنطقة جبل الحسين، وقمت بعمل "بروشور" للروضة والحضانة ووزعته شخصيا على الأسر، التي أرسلت لنا أربعين طفلاً، فضلا عن عدد من أبناء المسؤولين، ليتوسع المشروع لاحقا الى مدرسة ابتدائية".
وتوضح أن "العمل في الحضانة لم يكن حراسة للأطفال أثناء غياب أمهاتهم، بل نقوم بدور الأم كاملا، وهو ما نحافظ عليه الى اليوم ، فضلا عن توجيه الأم لكيفية التعامل مع طفلها وطريقة إرضاعه، ونظافته الشخصية".
وتتابع: "تدخلنا غير مرة في حل خلافات بين الزوجين، ومنهم من كان على وشك الطلاق. من هنا يأتي دور المدرسة في الحفاظ على تماسك الأسرة لأهميتها في نماء الطفل واستقراره النفسي".
وحول رؤيتها بحل المشاكل بين الطلبة داخل المدرسة، تؤكد أهمية دور الإدارة المدرسية والطلبة أنفسهم في معالجتها، وأهمية وجود دفتر سلوك لكل طالب، يدون الطالب عليه الأخطاء التي يرتكبها بحق الآخرين، والوعد بعدم تكرار ذلك مرة أخرى. وتسوق القطب مثالا على ذلك، مشكلة حدثت بين طالبين نتج عنها كسر أحد الطلبة لنظارة زميله، "فأحضرت الطالبين، وطلبت من الاثنين الجلوس، بمشاركة مربية الصف والمديرة، وطلبت من الطالبين الحديث عن المشكلة، كل بدوره، واستطعت اقامة حوار بينهما. وبالحوار اكتشفا الأخطاء التي ارتكباها، وطلبت منهما التفكير لحل المشكلة، وبالفعل توصلا لحل من خلال قيامهما ببيع أكياس البوشار خلال الفرصة المدرسية، ومن ثمن البيع تم شراء نظارة جديدة.
وعن الطابور الصباحي، تؤكد أهمية فاعلياته في تنمية شخصية الطالب، وتقول: إن الوطن يتجسد في الطابور، فهو يزرع الانتماء في نفس الطالب ويعلمه احترام النظام، وكيفية الوقوف احتراما للنشيد الوطني، كما أن الطابور يعطي الفرصة لكي يحفظ الطالب آيات وسور من القرآن الكريم ويحفظ القيم الوطنية، وتقول: خلال مسيرتي التعليمية والتربوية كنت أحرص دائما أن أشرك الصفوف بشكل جماعي وتنافسي لفقرة قراءة القرآن، بطريقة تضمن أن جميع الطلبة يحفظون السور عن طريق المنافسة، وفي فقرة الإذاعة المدرسية يطلب من الطلاب رصد الأخبار الوطنية والعربية والعالمية خلال الأسبوع وبمشاركة جميع الصفوف ليظل الطلاب مطلعين ومتواصلين مع عالمهم المحيط بهم. وفي الطابور بعد الاستراحة يتم تخصيص وقت لكل صف من الصفوف لقول قيمة وطنية تسجل في دفتر الطالب ليحفظها ويشاركها مع أهله في البيت وزملائه في المدرسة. وتضيف:"لو كان عندي 9 صفوف؛ معنى ذلك الاستماع ل 9 قيم وطنية وحفظها ومشاركتها مع الأهل، مستدركة: "بهذا نحن نزرع الانتماء، والاحترام للنظام، والحب للوطن".
وترى القطب، أن الفترة الذهبية للتعليم في الأردن امتدت من فترة السبعينيات إلى أوائل التسعينات، وأرجعت التراجع إلى الظروف الاقتصادية والصراع في المنطقة، إضافة للهجرات المتتالية التي شهدها الأردن. وعلى الرغم من هذا التراجع العام، ترى "ماما نانا"، أن العطاء، والشغف بالعمل، والتسامح وسعة الصدر تجاه الآخرين، والسعي الحثيث لكل ما هو جديد ومفيد هي المفاتيح للنجاح وتحقيق الإنجاز، مؤكدة أن "الخير ما يزال موجودا في مجتمعنا، وأن الأمل لا ينقطع ما دمنا شغوفين بالعمل والعطاء".

